فتوى الجمع بين الفريضتين في الحضر
هل يجوز الجمع بين الفريضتين في الحضر؟
فتوى الجمع بين الفريضتين في الحضر
السؤال
هل يجوز الجمع بين الفريضتين في الحضر؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد كثر السؤال عن الجمع بين الفريضتين في الحضر، هل يجوز أم لا؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال، لا يفوتني البدء بذكر بعض خصائص الإنسان التي ميّزه الله سبحانه وتعالى بها، وهي الحرية التامة الكاملة التي يتشوف دائما إليها ويسعى إلى تحقيقها، ومن الحريات التي يبذل إليها كل الوسع ويحرص عليها هذا الإنسان، حرية التدين وممارسة الشعائر الدينية التي يرى أنها من لوازم اعتقاداته، كذلك المسلم لا يشذ عن هذه القاعدة في الطمع إلى الحرية التي "تمكّن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض" ولا يجوز لمخلوق في الدنيا أن يمنع آخر أداء صلاته، وهذا منكرٌ لا ينبغي السكوت عنه، فقد استنكر القرآن الكريم مانعي الصلاة فقال:
"أرءيت الذي ينهى عبدا إذا صلى" (العلق 9-10)
ولكن حينما يجد المسلم نفسه في حالة اضطرارٍ أو حرجٍ شديد فنقول:
اختلاف الفقهاء
اختلف الفقهاء في مسألة الجمع بين الصلاتين في الحضر بعد ما اتفقوا على جمع الظهر والعصر بعرفة، وجمع المغرب والعشاء بمزدلفة.
ومرجع الخلاف، حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي عليه السلام:
صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر.
وفي رواية:
بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألاّ يحرج أمّته.
وفي رواية: فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد التّوسعة على أمته.
تأويلات الفقهاء
فقد اختلفت أنظار الفقهاء في تأويل هذا الحديث، وحاولوا صرفه عن ظاهره بمسالك عدّة:
فقالت طائفة: أن الجمع كان لعذر المطر، كما ذهب إليه الإمام مالك في موطئه. ورُدّ هذا بإحدى روايات الحديث الصحيحة التي فيها، "من غير خوف ولا مطر".
وقالت طائفة: هو أن يُؤخّر الصلاة الأولى إلى أول وقت الثانية ويوقع الثانية في أوّل وقتها، وبذلك يتم الجمع بين الصلاتين وهذا ما يعرف بالجمع الصوري. وقد رُدّ هذا التأويل، لأن ظاهر اسم الجمع يأباه عرفًا، فإن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها.
وخرّج الإمام مسلم، عن عبد الله بن شقيق، قال:
خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة. قال فجاءه رجلٌ من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة، الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أمّ لك. ثمّ قال: رأيت رسول الله جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيءٌ، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.
قال ابن تيمية وهو يردّ الجمع الصوري: "لا يخفى على أقل الناس علما أنه جائز شرعا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه." وقد أجاز ابن تيمية الجمع بين الصلاتين.
القول بظاهر الحديث
وقالت طائفة بظاهر الحديث، فأجازت الجمع بين الصلاتين في الحضر. ومنهم الصحابي الجليل راوي الحديث عبد الله ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما. وقال بهذا الرأي كثير من أئمة أهل البيت الأقدمين، وهو مذهب الشيعة الإمامية بأجمعهم، وقول جماعة من فقهاء الزيدية وأئمتهم.
ومن التابعين من قال بالجمع: محمد بن سيرين رضي الله عنه، كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة. وتبعه في ذلك بعض فقهاء السنة من المالكية والشافعية ثم الحنابلة.
الرأي المختار
وهذا القول الأخير هو عندنا المناسب والأيسر، مع موافقته لروح الشريعة في تحقيق مقاصدها المرجوة من النصوص، ذلك أن الأقليات المسلمة في الغرب يصعب عليها في فصل الشتاء خاصة الالتزام بالمواقيت الخمس لضيق الوقت والتقارب الشديد بين الظهرين والتباعد الشديد في فصل الصيف بين العشاءين. فيستحسن هذا القول المنصوص عليه لدفع كبيرة من الكبائر، وهي أن البعض يتوقف عن الصلاة أصلاً.
فحري بالمفتي، كما قال الشاطبي: أن ينظر إلى المآلات قبل الجواب عن السؤالات.
التأييدات العلمية
وهذه فتوى المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء.
وفتوى الشيخ المحدث الألباني رحمه الله عند تعليقه على حديث ابن عباس الذي خرّجه في السلسلة الصحيحة (2837) وقال عند قوله "كي لا يحرج أمته":
"هذا نص في الجمع الحقيقي، لأن رفع الحرج إنما يعني في الاصطلاح الشرعي، رفع الإثم والحرج."
ثم قال:
"إنما يجوز الجمع حيث كان الحرج وإلا فلا، وهذا يختلف باختلاف الأفراد وظروفهم."
فالله الله على الشيخ الألباني رحمه الله ومراعاته الأفراد والظروف المختلفة للناس.
ومن الموافقين لهذا الرأي الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله، فقال:
"كلما حصل للإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع، إذا لحق المسلم حرج في أداء كل صلاة في وقتها جاز له الجمع."
وقال:
"وعلى كلّ، فالمعروف من المذهب (الحنبلي) أن الجمع جائز."
هذا والله أعلم.
الأستاذ عمر دورمان رئيس فرانس فتوى
٤ يونيو ٢٠٢٥ · الأستاذ عمر دورمان