صلاة الجمعة مرتين في مسجد واحد
هل يجوز أن يصلي الإمام الواحد جمعتين في مسجده إماماً بالناس؟
صلاة الجمعة مرتين في مسجد واحد
السؤال
السلام عليكم فضيلة الأستاذ، هل يجوز أن يصلي الإمام الواحد جمعتين في مسجده إماماً بالناس؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه عباقرة التأويل، ومن تبعهم في منهج الفهم والتنزيل، واقتفى أثرهم بلا حيف أو تبديل، ثم استنصر عند رفع الحرج بالدليل، فأنزله بعد تحقيق مناطه ففتح السبيل، واستُبعد الجامد على المنقول، صاحب العقل العليل، حتى يدوم الشرع لكل واقعٍ وواقعةٍ بلا تنكيل، فالحذر الحذر من قيلَ وقيل، فإن الفتيا معرفة التنزيل.
في أهمية وفضل الجمعة
لا يفوتني قبل الجواب أن أذّكر أخواتي وإخوتي أهمية إقامة صلاة الجمعة على العموم، وخاصة في هذه الديار الغربية على الخصوص، التي اجتمعت فيها كل ديانات العالم البشري وحتى اللادينيين منهم المتمسكين بمواقفهم وآرائهم، فكيف بنا نحن الذين وفقنا الله تعالى لإصابة هذا اليوم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فَرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبعٌ، اليهود غدا والنصارى بعد غدٍ" (رواه البخاري ومسلم)
قال ابن بطال في شرحه على البخاري: ليس فيه دليل أن الجمعة فُرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل والله أعلم أنه فرض عليهم يوم من الجمعة (أي من الأسبوع) وُكّل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أية الأيام يكون ذلك اليوم، ولم يهدهم الله تعالى إلى يوم الجمعة وادخره لهذه الأمة، وهداهم له تفضلا منه عليها. (شرح ابن بطال على صحيح البخاري: 2/546-547)
ومن فضائل صلاة الجمعة، أنها كفارة لما قبلها من أيام، أعني محو الذنوب ولو كانت من الكبائر، لقوله عليه السلام:
"لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة، ويتطهرُ ما استطاع من الطهور ويَدّهنُ من دهنه، ويمسّ من طيب بيته، ثم يخرجُ فلا يُفرقُ بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصتُ إذا تكلم الإمام إلا غُفر له ما بينهُ وبين الجمعة الأخرى" (رواه البخاري)
وقوله عليه السلام:
"خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (رواه مسلم)
أصل الجمعة وتطورها عبر الزمان
لا بد لفهم المسألة فهما جيداً، الرجوع إلى مسألةٍ دارت بين الفقهاء قديما، ألا وهي إقامة جمعتين في مصرٍ واحدٍ، وكيف تطور هذا الفعل حتى أصبح اليوم من البدهيات.
اختلفوا أولاً في مسألة إقامة الجمعة في القرى هل هي جائزة أم لا؟ إذ المشهور عند المالكية أنه لا جمعة تقام في القرى، وحكي عن ابن القاسم الجواز. (عقد الجواهر الثمنية: 1/159)
ثم اختلفوا قديما، إذا كان في مِصرٍ واحد مسجدين جامعين صالحين لإقامة الشعيرة، فعلى الرأي المشهور عند المالكية والحنفية، أنه لا تؤدى الجمعة في مصرٍ واحدٍ في جامعين.
قال ابن الجلاب: لا تصلى الجمعة في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا ذلك، فالصلاة صلاة أهل المسجد العتيق. (كتاب التفريع لابن الجلاب المالكي: 1/233)
كذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: ولا يجمع في مصر وإن عظُم وكثُرت مساجده، إلا في موضعٍ واحدٍ. (روضة الطالبين للنووي: 181)
لكن الإمام ابن رشد رحمه الله، كعادته أوجز وبيّن سبب الاختلاف، وأنه راجعٌ إلى أمور اجتماعية جعلت المجتمع الإسلامي كغيره من المجتمعات يتطور في العمران ويتزايد تعداد السكان. قال رحمه الله:
والسبب في اختلافهم في اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها هو كونُ بعض تلك الأحوال أشَدّ مناسبة لأفعال الصلاة من بعض... ثم قال: وهذا كله لعله تعمّقٌ في هذا الباب، ودين الله يُسرٌ. (بداية المجتهد لابن رشد الحفيد: 1/229-230)
تبين بهذا أن النظر إلى الواقع وتحقيق المناط فيه يلزمنا ضرورة أن نجيز أكثر من جمعتين في المصر الواحد، كي نيسِّر للجميع إقامة شعيرة صلاة الجمعة.
تأصيل المسألة
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، استساغ البعض عندنا في الغرب التشهير بالمسلمين والحط من قيمهم، ومن بين القوانين، منع المصلين في الشوارع المتصلة بمساجدهم، وهُدِدَت بعض الجمعيات بإغلاق المسجد إن هم عادوا إلى الصلاة في الطرقات. فجاء السؤال: ما العمل هل تتورط الجمعية في مخالفة القانون أم تجمّع مرتين؟
النظرة المآلية للمسألة
جاء في سبب نزول قوله تعالى:
"ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا" (الإسراء)
أنه عليه السلام كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع المشركون، سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. ففي هذه الحادثة دليل على سدّ ذرائع الفساد والنظر إلى مآلات الأفعال.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
أن المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأُ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه. (الموافقات للإمام الشاطبي: 4/194-195)
اختلاف النيات وأثره في المسألة
اختلفت المذاهب الإسلامية في مسألة اختلاف النيات في الصلاة، فمنعه المالكية وأجازه الشافعية وهو قول أحمد في رواية عنه واختاره ابن المنذر.
ودليلهم ما أخرجه مسلم والبخاري رحمهما الله:
أن معاذ رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه السلام ثم يأتي فيؤمُ قومه. فصلى ليلةً مع النبي العشاء، ثم أتى قومه فأمهم. (رواه البخاري ومسلم)
قال الإمام النووي رحمه الله: في هذا الحديث جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، لأن معاذ كان يصلي الفريضة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسقط فرضه ثم يصلي مرة ثانية بقومه هي له تطوع ولهم فريضة. (شرح مسلم للنووي: 4/181)
ومن الأدلة التي تأصل لهذا الاتجاه حديث صلاة جبريل عليه السلام إماما بالرسول عليه السلام وأصحابه. (الموطأ رواية القعنبي: 82)
ثم إنا نجد كثيرا من الأحاديث التي أجاز فيها النبي عليه السلام في أزمنة الفتنة والخوف أن نصلي مرتين وتكون الأولى واجبة والثانية نافلة، منها:
عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله عليه السلام: لعلكم تدركون أقواما يؤخرون الصلاة، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الوقت الذي تعرفون، وصلوا معهم واجعلوها سبحة. (التمهيد لابن عبد البر: 8/57)
الخلاصة
وبهذا تكون الصلاة الثانية مع الأمراء الذين يؤخرون الصلاة فيها اختلاف النيات، ففي هذه الأدلة وغيرها جواز صلاة جمعتين للإمام لرفع الحرج والضيق على المسلمين إذ تكون جمعته الثانية نافلة له واجبة على غيره.
والله الموفق إلى الصواب.
وكتبه الأستاذ عمر دورمان رئيس فرانس فتوى
٧ يونيو ٢٠٢٥ · الأستاذ عمر دورمان