حكم حضور المسلم لمائدة يُدار عليها الخمر في مجتمع غير مسلم
ما حكم حضور المسلم لمائدة يُدار عليها الخمر في مجتمع غير مسلم؟
حكم حضور المسلم لمائدة يُدار عليها الخمر في مجتمع غير مسلم
السؤال
ما حكم حضور المسلم لمائدة يُدار عليها الخمر في مجتمع غير مسلم؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من المسائل المتكررة في حياة المسلمين المقيمين في المجتمعات غير الإسلامية: حكم حضور الموائد أو المناسبات التي يُقدَّم فيها الخمر. وتزداد حساسية هذه القضية عندما تكون المناسبة مهنية أو عائلية، يصعب الاعتذار عنها دون آثار سلبية على العلاقات الاجتماعية أو الوضع المهني.
ويجد المسلم نفسه حائرًا بين التزامه الديني ومراعاة واقعه الاجتماعي والمهني. وهذه المسألة تحتاج إلى معالجة فقهية دقيقة، تُوازن بين النصوص الشرعية ومقاصدها، وبين فهم الواقع وضغوطه، وفق تكييف فقهي يضبط الحكم ويستوعب السياق.
أولًا: الأصل الشرعي
ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر» رواه الترمذي (2801) وقال: حديث حسن.
وقال ابن عبد البر (ت 463هـ):
"فيه دليل على تحريم الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر، لأن في ذلك إقرارًا للمنكر." (التمهيد 1/300)
وقال ابن قدامة (ت 620هـ):
"فإن جلس في موضع يشرب فيه الخمر، ولم يشرب معهم، أَثِم." (المغني 8/309)
ثانيًا: الواقع المعاصر للمسلمين في غير بلاد الإسلام
في المجتمعات غير الإسلامية، يُعد شرب الخمر في المناسبات أمرًا معتادًا، وقد يُنظر إلى رفض المشاركة فيه كتصرف غريب أو غير ملائم. وتزداد الإشكالية عندما يتعلق الأمر بمناسبات عمل أو زيارات عائلية يصعب تفاديها.
وهنا تبرز أهمية التكييف الفقهي الذي يُراعي ثبات الحكم الشرعي مع استيعاب الواقع، في ضوء قواعد المقاصد الشرعية، ومنها:
قاعدة النظر في المآلات، التي قررها الإمام الشاطبي (ت 790هـ):
"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ." (الموافقات 5/177)
قاعدة سد الذرائع وفتحها كما بيّنها القرافي (ت 684هـ):
"ما كان وسيلةً للمحظور يُمنع، إلا إن أدى تركه إلى مفسدة أعظم." (الفروق 2/32)
ثم أضاف رحمه الله:
"واعلم أن الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحُها، ويُكرَهُ ويندب ويُباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرَّم محرَّمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج، غير أن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد، وهي أيضًا تختلف مراتبها باختلاف مراتب المقاصد التي تؤدي إليها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة." (الفروق 2/213)
ويُستفاد من مجموع كلامه أن الوسائل لا تُمنع من باب سد الذرائع إذا كانت الغاية منها تحقيق مصلحة شرعية راجحة، أو دفع ضرر محقق لا سبيل إلى دفعه إلا بها.
ثالثًا: أقوال أهل العلم في حضور المنكر عند الحاجة
من أبرز من توسع في ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت 728هـ)، حيث قرر في سياق تفسيره لقوله تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ (الأنعام: 68)
أن على المسلم أن يُعرض عن أماكن المنكرات، ثم استثنى من ذلك الحالات التي تقتضيها الضرورة أو الحاجة الشرعية.
فقال:
"فهذا يُراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة؛ مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم؛ وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر: لا يجيب دعوتهم؛ وأمثال ذلك." (مجموع الفتاوى 28/204)
ثم بيّن ضابط هذا الاستثناء بقوله:
"ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يُشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار؛ إلا لموجب شرعي: مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره؛ أو يكون مكرهاً. فأما حضوره لمجرد الفرجة... فلا يجوز." (مجموع الفتاوى 28/239)
ثم قرر قاعدة عامة تُضبط بها أمثال هذه المسائل:
"ثم إن ما نُهي عنه لسد الذريعة يُباح للمصلحة الراجحة..." (مجموع الفتاوى 28/221)
وهذا يدل على أن بعض ما يُمنع سدًا للذريعة يمكن أن يُباح عند وجود مصلحة شرعية راجحة تفوق المفسدة المتوقعة.
رابعًا: ضوابط الجواز عند الحاجة
قد يُرخَّص للمسلم في حضور مائدة يُدار عليها الخمر عند الحاجة، ولكن بضوابط شرعية واضحة:
- أن تكون الحاجة معتبرة: كحفظ وظيفة أو دفع أذى محقق أو تحقيق مصلحة راجحة.
- ألا يشارك في المنكر بأي صورة: لا شربًا، ولا تقديمًا، ولا رضا.
- أن يُنكر المنكر بقلبه: ويُظهر امتعاضه إذا أمكن من غير ضرر.
- ألا يتخذ ذلك عادةً: بل يُقصره على الحاجة والضرورة.
وختامًا
إن التوازن بين النصوص الشرعية الصريحة والضغوط الواقعية التي يعيشها المسلم في غير بلاد الإسلام، ضرورة في فقه النوازل.
وليس في التماس الرخصة عند الحاجة ضعف، بل هو من فقه التعامل مع الواقع، بشرط أن يُضبط بالمآلات والمقاصد الشرعية، وأن لا يتحول إلى تفريط أو تمييع للثوابت.
نسأل الله أن يُعين المسلمين في الغربة على الثبات، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، وأن يجعلهم هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
بقلم: طاهر تفاح
راجَعَ المقال: د. خالد حنفي (نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، عضو مجلس أمناء المجلس الأوروبي للأئمة والمرشدين)، و أ. عمر دورمان (رئيس فرانس فتوى، عضو الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين)
٢ يونيو ٢٠٢٥ · طاهر تفاح